القاضي عبد الجبار الهمذاني
338
المغني في أبواب التوحيد والعدل
على وجه يخاف من جهته هو مضرة . وإذا كان نفسه مضرة ، وعلم أن ذلك يزول منه بالهرب ، فقد بينت ما أوردناه . وقد يقطع أحدنا متى ثبت في موضع أنه يدوم به الحر أو البرد ، فمتى تحمل المضرة لزوالهما فقد يتفق زوالهما به . وكذلك القول في الجوع والعطش إلى غير ذلك مما يدفعه عن نفسه بأفعال معلومة . وعلى هذا الوجه توجب التوبة لأنه يتيقن استحقاق العقوبة بما فعله من كفر وفسق فيزيل ذلك عن نفسه ببذل الجهد في التوبة على ما نبينه من بعد . فإن قال : لو حسن تحمل المضرة لما ذكرتم ، لوجب متى اندفع به الضرر العظيم في المعلوم وعنده لا يندفع به ، أن يحسن منه ذلك ، وقبحه يقضى بفساد ما قلتم . قيل له : قد أجبنا عن ذلك من قبل بأن قلنا إن المعتبر في هذا الباب بما معه تنتفى وجوه القبح عن المضرة . ومتى علم أو ظن زوال ذلك / بها فقد انتفى وجه القبح ، فحسن . ومتى لم يعلم ذلك ولم يظنه ولم يخطر له بالبال ، فهو غير آمن فيما يحمله من المضرة أن يكون ظلما . وقد بينا أنه لا فرق بين أن يعلم ثبوت وجه القبح في الفعل أو لا يعلم ثبوت ذلك فيه في أنه يقبح في الحالين . وإنما يخرج من القبيح إلى الحسن في أمر ذلك على جملة أو تفصيل على ما بيناه في باب النظر ؛ وذلك يسقط ما سأل عنه . فإن قيل : لو حسن منه تحمل ذلك لدفع ما هو أعظم منه ، لوجب أن لا يحسن من أحدنا العلاج في المرض إلا إذا علم تأثيره في زواله . وقد علمنا أن ذلك قد يحسن للعادة وإن لم يعلم ذلك . فمتى قلتم إن ذلك يقبح مع استحسان العقلاء له ، فما أنكرتم من قبح جميعه وإن استحسنوه ؟